المسرحيّ الى الواجهة عبر البحث عن المكامن الأساسيّة الصافية والتي لا بديل لها، فكانت المسرحيّات التي تكسر المتعارف عليه في البناء وفي أهمّيّة وتركيبة المشهد الأوّل وفي
تسلسل الأحداث وفي حواريّتها تبعا" للشخصيّات والمكان والزمان. فكانت أزمة اللغة "العاجزة" التي طرحها السورياليون في مطلع القرن العشرين. وعكست مسرحيات كثيرة في الستينات والسبعينات (من القرن السابق : بيكيت، يونسكو، أداموف وغيرهم) أزمة تكريس شكل النص المسرحي ولغته. ولكن بالرغم من الكثير من المشاهدالساخرة والمونولوجات المتكررة
يبقى الحوار الركيزة الأساس في البناء المسرحي.
فما الجديد في نصّ وعرض داود؟ إنّه يتأرجح بين الحوار و"السرديّة". إنّه حكاية امرأة حكواتيّة تُخبر وتُخبر وتصارع نفسها. في الوقت نفسه يكثّف النص مراحل حياتيّة ويستفيض في تشريحها وفي إبراز تطوّر المشاعر والحالات الذهنيّة. إنّه سيناريو (لطالما كان هذا أسلوب داود في نصّه الشّعريّ) تستطيع عنونة اجزائه وترجمته في عدّة ظروف ومشاهد.
تستطيع اعتباره أيضا" تشظّيات متشابكة، يمكن لكلّ منها أن تشكّل عرضا" وقضيّة. يمكن لكلّ مشهد أن تكتبه حواراتٍ ومَشاهد يضع ذهنك حواراتها وكأنّه يكتبها دون حاجة ان تكون موجودة. والمَشاهد القائمة بالحركة والجسد تأتي وكأنّك تعيد كتابة حواراتها... بعض الحوارات حَذفيّة، إضماريّة، إيجاز (ellyptique) تأتي وكأنّك تعيد كتابتها، يتكثّف مشهد في عبارة، في جملة أو مفردة... قوّة النص أن المفردة أحيانا" أو العبارة، تختصر مَشهدا" ومجموع الحوارات مع شخصيّات حاضرة بقوّة في تغييبها، حاضرة في مفردة ( "لا" / "نعم" /...) او في عبارة ( "كوني امرأة قبل أن تكوني أمّي"). يمكن اعتباره (النص) "سكريبت" تفجّره وتوسّعه في أجزاء، إنّما عليك أوّلا" محاولة تحديد الغرض انطلاقا" من هذا الإيجاز. أهو يتناول حياة خاصّة لامرأة، أم أنه قضيّة المرأة عامة"، وبمنظار من؟ ربّما من هنا يأتي الشّعور بالتشعُّب و"بالرَّص" السريع من جهة وبالإيجاز من جهة ثانية. إنّه مكثّف بشدّة intense ومليئ ويُشعرك بحاجة الى مزيد.
كأنها إغفالات مقصودة يرتمي فيها كل مُشاهد، يملؤها بتجربته وبحسب ثقافته ومجتمعه وخبرته ورضوخه أو نقمته. الى حانب ذلك أيضا"، يطرح العرض بصورة حادّة مسنونة مسألة تجاذب الكلمة والصّمت التي تبطّن مسألة الأولويّة بين النص والأداء التمثيليّ المرتبط طبعا" بالإخراج. تفوح الكلمات، تصطف، تتوالد، تتتابع دون زمان ولا مكان محددين، وكأنّها تلفظ أحشاء النساء من غابر الزمان وعمق الأمكنة. تلغي الكلمات الكوريغرافيا وتتخطى حدود الشخصيّات المرتبطة بها (بصورة خاصّة في بداية العرض). كلمات وكلمات ترسم عالما" داخليّا" يُطبق على العالم الخارجي ويملأ مكانه لاغيا" ظروفه الزمانيّة والمكانيّة. تصبح المعاناة العامّة أُطرها وأسسها التي هي طبعا" مختلفة عن المعهودة.
يتجاذب الكلمة (تحديد المكان والزمان) الحركة والجسد، يودّان السيطرة عليها والخروج من نطاق اللعبة المعرفيّة، بينما يقبض الإخراج عليها ليُطوّعها في الحركة والتمثيل. ينقضّ عليها ويحاول إلغاءها والحلول مكانها بفرض الصمت... مشاهد (صامتة) تغيب عنها الكلمة، تتحدّى الكلمات بصداها وبالتواصل. يبنى الصراع بالكلمة واللاكلمة من جهة وبالحركة من واللإخراج من جهة. أحيانا" تقوى الكلمة على سواها وأحيانا" تقوى الحركة والجسد ليكون غياب الكلمة أقوى من الكلمة. يتخطّى غيابُ الكلمة اللغةَ ويصبح أكثر تعبيرا" ونقاوة وأكثر صراخا" وضجيجا" فتكون اللغةُ مجددا" أمام رهان جديد وصراع جديد لمشهد جديد. هذه اللعبة بين الكلمة واللاكلمة والصمت، تحكي وتبني عوالم منفردة وحيدة تعيش وتتغذّى من ذواتها، من عزلتها، من خيبتها، من رضوخها أو نقمتها دون محاولة التقرّب من الآخر. إنّه "تابو" الكلمة الذي نعاني منه في الشرق. نخاف الكلمة ونقمعها. لا نسمّي ما نريد نكرانه أو مواراته. نوارب، نبتسم، "نستفرغ" (كما تقول "شهرامرأة" شخصيّة المسرحيّة)، نكره، نخضع ولا نتكلم: لا تناقش ولا تخبر, إنّها المكابرة وعزّة النفس، الى حانب الخوف من العنف والشعور باللاجدوى، دائرة